البيانات الاصطناعية Synthetic Data: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي صناعة بيانات لتدريب نفسه؟
الذكاء الاصطناعي لديه شهية هائلة للبيانات.
صور، نصوص، أصوات، سجلات، أمثلة برمجية، سيناريوهات قيادة، معاملات وأنماط لا حصر لها.
كلما أردنا تدريب نموذج على مهمة معقدة، ظهرت المشكلة نفسها:
من أين نحصل على كل هذه البيانات؟
جمع البيانات الحقيقية مكلف، وقد يستغرق وقتًا طويلًا، وبعضها يحتوي معلومات حساسة لا يمكن استخدامه بسهولة.
لكن ماذا لو استطعنا إنشاء بيانات جديدة لا تأتي مباشرة من أشخاص حقيقيين؟
هنا تظهر تقنية أصبحت مهمة في عالم الذكاء الاصطناعي:
Synthetic Data – البيانات الاصطناعية.
ما المقصود بالبيانات الاصطناعية؟
هي بيانات يتم إنشاؤها صناعيًا بدل جمعها مباشرة من أحداث أو أشخاص في العالم الحقيقي.
قد تكون صورًا أو نصوصًا أو بيانات جدولية أو مشاهد ثلاثية الأبعاد أو سيناريوهات محاكاة.
والهدف أن تحاكي خصائص أو أنماط البيانات التي نحتاج إليها بدرجة تسمح باستخدامها في التدريب والاختبار والتحليل.
مثلًا، بدل تصوير مليون موقف مروري حقيقي لتدريب نظام قيادة، يمكن إنشاء عدد ضخم من المشاهد الافتراضية داخل بيئة محاكاة.
سيارات، طرق، مطر، ضباب، مشاة وإشارات مرور…
وكلها بيانات مصنوعة رقميًا.
لماذا نصنع بيانات إذا كانت الحقيقية موجودة؟
لأن البيانات الحقيقية ليست دائمًا سهلة المنال.
تخيلي شركة تطور نظامًا لاكتشاف عطل نادر في آلة صناعية.
قد يحدث هذا العطل مرة واحدة بين ملايين الحالات الطبيعية.
إذا اعتمدت الشركة على البيانات الحقيقية فقط، فقد لا تمتلك عددًا كافيًا من الأمثلة لتدريب النموذج.
لكنها قد تستطيع محاكاة حالات إضافية تساعد النظام على التعرف على هذا النوع من المشكلات.
وهنا تصبح البيانات الاصطناعية وسيلة لسد النقص في البيانات.
السيارات ذاتية القيادة مثال رائع
لا يمكن انتظار حدوث كل موقف خطير في العالم الحقيقي حتى تجمع الشركة بيانات عنه.
ماذا عن طفل يعبر الطريق في ظرف غير معتاد؟
أو سيارة تظهر فجأة أثناء الضباب؟
أو طريق مغطى بالثلج؟
يمكن لبيئات المحاكاة إنشاء آلاف الاختلافات للموقف نفسه.
وبذلك يتعرض النظام أثناء التدريب والاختبار إلى سيناريوهات أكثر تنوعًا دون الحاجة إلى حدوثها كلها فعليًا على الطريق.
والروبوتات أيضًا
الروبوت الذي يجب أن يتعامل مع العالم الحقيقي يحتاج إلى رؤية عدد هائل من الأشياء والبيئات.
لكن تدريب الروبوتات في الواقع قد يكون بطيئًا ومكلفًا.
لذلك يمكن إنشاء عوالم افتراضية تتدرب فيها الخوارزميات على التقاط الأشياء أو التنقل أو التعامل مع بيئات مختلفة.
بعد ذلك يتم نقل ما تعلمه النظام إلى العالم الحقيقي.
لكن هنا تظهر مشكلة مهمة تسمى أحيانًا:
Sim-to-Real Gap
أي الفجوة بين المحاكاة والواقع.
إذا كان العالم الافتراضي مختلفًا جدًا عن الحقيقي، فقد لا يعمل النموذج كما نتوقع عندما يخرج من المحاكاة.
ماذا عن البيانات الشخصية؟
هنا تصبح Synthetic Data مثيرة للاهتمام من ناحية الخصوصية.
لنفترض أن مؤسسة تمتلك قاعدة بيانات تحتوي معلومات حساسة.
بدل مشاركة السجلات الحقيقية مباشرة مع فرق التطوير، قد تحاول إنشاء بيانات اصطناعية تحافظ على بعض الأنماط الإحصائية المهمة دون أن تكون نسخة مباشرة من سجلات الأشخاص.
لكن يجب الحذر:
كون البيانات اصطناعية لا يعني تلقائيًا أنها آمنة أو مجهولة بالكامل.
إذا تم إنشاء البيانات بطريقة سيئة أو كان النموذج يحفظ أمثلة من بيانات التدريب، فقد تظهر مخاطر تتعلق بالخصوصية.
لذلك يجب تقييم طريقة الإنشاء ومخاطر إعادة التعرف أو تسرب المعلومات.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء بيانات لذكاء اصطناعي آخر؟
نعم، وهذه إحدى أكثر الأفكار إثارة.
يمكن استخدام نماذج توليدية لإنتاج أمثلة تساعد في تدريب أو تحسين نماذج أخرى.
مثل إنشاء أسئلة وإجابات، أو أمثلة برمجية، أو صور، أو سيناريوهات متنوعة.
بل يمكن أن يستخدم نموذج قوي للمساعدة في إنشاء بيانات تدريب لنموذج أصغر.
وهذا يفتح الباب أمام عملية تبدو غريبة قليلًا:
الذكاء الاصطناعي يساهم في صناعة المادة التي سيتعلم منها ذكاء اصطناعي آخر.
لكن هنا يوجد خطر كبير
ماذا لو كانت البيانات الاصطناعية خاطئة؟
إذا أنشأ نموذج آلاف الأمثلة التي تحتوي أخطاء ثم استخدمناها في التدريب دون فلترة، فقد يتعلم النموذج الجديد هذه الأخطاء.
وإذا كانت البيانات المصنوعة لا تمثل تنوع العالم الحقيقي، فقد تتضخم بعض الانحيازات بدل أن تختفي.
إذن العدد الكبير من البيانات لا يعني بالضرورة أنها بيانات جيدة.
الجودة أهم من الكمية وحدها.
هل يمكن أن يستغني الذكاء الاصطناعي عن البيانات البشرية؟
ليس بهذه السهولة.
البيانات الاصطناعية تحتاج عادة إلى أساس واقعي أو قواعد أو نماذج أو محاكاة تمثل العالم الذي نحاول تعلمه.
إذا انفصلت البيانات الاصطناعية تمامًا عن الواقع، يمكن أن يبدأ النظام في التعلم من تمثيل غير دقيق للعالم.
ولهذا تستخدم كثير من المشاريع مزيجًا من:
بيانات حقيقية + بيانات اصطناعية.
الحقيقية تربط النظام بالواقع، والاصطناعية تساعد في توسيع السيناريوهات أو موازنة بعض الحالات الناقصة.
وماذا لو بدأت النماذج تتعلم من محتوى صنعته نماذج أخرى؟
هذا سؤال مهم جدًا مع امتلاء الإنترنت بالمحتوى المولد آليًا.
إذا أصبحت مجموعات التدريب تحتوي نسبًا متزايدة من المحتوى الاصطناعي منخفض الجودة، فقد يؤثر ذلك في النماذج المستقبلية.
لذلك أصبح مصدر البيانات وجودتها وتتبع أصلها أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ليس السؤال فقط:
كم لدينا من البيانات؟
بل:
من أين جاءت؟ وكيف تم إنشاؤها؟ وهل تم التحقق منها؟
استخدامات أكبر مما نتوقع
البيانات الاصطناعية ليست محصورة في روبوتات المحادثة.
يمكن استخدامها في مجالات مثل تطوير أنظمة الرؤية الحاسوبية، واختبار البرمجيات، والمحاكاة الصناعية، والروبوتات، وبعض الأبحاث الطبية، واكتشاف الاحتيال، وتطوير السيارات الذاتية.
وفي بعض الحالات يمكنها إنشاء سيناريوهات نادرة يصعب جمعها من العالم الحقيقي.
وهذا يجعلها أداة قوية جدًا عندما تستخدم بالطريقة الصحيحة.
هل سنصل إلى مصانع للبيانات؟
ربما تكون هذه إحدى الصور المناسبة للمستقبل.
بدل أن تجمع الشركات البيانات فقط، قد تمتلك أنظمة متخصصة لإنتاج البيانات واختبار جودتها وتنقيحها قبل استخدامها في تدريب النماذج.
أي أن البيانات نفسها قد تتحول إلى منتج يتم تصميمه بعناية.
وقد تصبح وظيفة مهمة في شركات الذكاء الاصطناعي المستقبلية هي التأكد من أن البيانات المصنوعة ليست كثيرة فقط…
بل واقعية ومتنوعة وآمنة ومفيدة.
الخلاصة
البيانات الاصطناعية تسمح بإنشاء أمثلة جديدة لتدريب واختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تكون البيانات الحقيقية قليلة أو حساسة أو مكلفة.
لكنها ليست بديلًا سحريًا للواقع.
إذا كانت البيانات المصنوعة غير دقيقة أو منحازة، فإن الذكاء الاصطناعي قد يتعلم أخطاءها أيضًا.
ولهذا قد يكون مستقبل التدريب قائمًا على مزيج ذكي بين الواقع والمحاكاة والبيانات الاصطناعية.
والسؤال المثير مستقبلًا لن يكون فقط:
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التعلم من البيانات؟
بل ربما:
ماذا يحدث عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي بصناعة البيانات التي سيتعلم منها بنفسه؟
0 تعليقات