هل يمكن الوثوق بصور وفيديوهات الإنترنت؟ كيف تتحقق من المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي؟
قبل سنوات، كانت العبارة الشائعة:
“الصورة لا تكذب.”
أما اليوم، فلم تعد الصورة وحدها دليلًا كافيًا على أن ما نراه حدث فعلًا.
فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنشاء صور واقعية، ومقاطع فيديو وأصوات يصعب أحيانًا تمييزها بالعين أو الأذن فقط.
ومع تطور أدوات التوليد، بدأ يظهر اتجاه جديد لا يعتمد فقط على محاولة اكتشاف التزييف بعد حدوثه، بل على سؤال أكثر أهمية:
هل يمكن معرفة مصدر الملف وتاريخ إنشائه وكيف تم تعديله؟
ومن هنا برزت تقنيات مثل:
Content Credentials وC2PA وSynthID
التي تحاول منح المحتوى الرقمي ما يشبه بطاقة هوية أو سجل منشأ رقمي.
وفي 2026 توسعت شركات التقنية في استخدام تقنيات إثبات المصدر والعلامات المائية الرقمية لمساعدة المستخدمين على فهم ما إذا كان المحتوى قد أُنشئ أو عُدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي.
لماذا أصبح اكتشاف صورة AI أصعب؟
في البداية كانت الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي تحتوي أحيانًا على أخطاء واضحة.
تفاصيل غريبة.
كتابة مشوهة.
أجسام غير طبيعية.
لكن جودة النماذج تطورت بسرعة.
لهذا فإن الاعتماد على فكرة:
“أنظر إلى الصورة جيدًا وسأعرف إن كانت مزيفة”
لم يعد وسيلة موثوقة دائمًا.
قد توجد إشارات بصرية تثير الشك، لكنها لا تقدم إثباتًا قاطعًا.
ولهذا يتحول التركيز تدريجيًا من:
هل تبدو الصورة مزيفة؟
إلى:
ماذا نعرف عن أصل هذه الصورة؟
ما هي Content Credentials؟
يمكن تخيل Content Credentials على أنها بطاقة معلومات رقمية مرتبطة بالصورة أو الفيديو.
قد تحتوي على معلومات مثل:
منشئ المحتوى، الأداة التي استخدمت لإنشائه، وقت إنشائه، وبعض التعديلات التي أجريت عليه.
وتصف Adobe هذه التقنية بأنها أشبه بـ بطاقة معلومات رقمية للمحتوى تساعد على معرفة ما إذا كان الملف التُقط بكاميرا أو أُنشئ بالذكاء الاصطناعي أو تم تعديله باستخدام أدوات تحرير.
لكن Content Credentials ليست شركة أو برنامجًا واحدًا.
بل تعتمد على معيار تقني أوسع يسمى:
C2PA.
ما هو C2PA؟
C2PA اختصار لـ:
Coalition for Content Provenance and Authenticity.
وهو معيار مفتوح يسمح بإضافة بيانات موثقة إلى الصور والفيديو والصوت وغيرها لتقديم معلومات عن أصل المحتوى وتاريخ تعديله.
والفكرة ليست أن يقول النظام:
“هذه الصورة صحيحة.”
بل:
“هذه هي المعلومات المتاحة عن كيفية إنشاء هذا الملف وما حدث له.”
OpenAI توضح أن بيانات C2PA قد تتضمن الأداة أو الخدمة التي أنشأت الملف ومعلومات أخرى مرتبطة بمنشئه أو تاريخه.
وفي فبراير 2026 أطلق مشروع C2PA الإصدار Content Credentials 2.3، مع استمرار توسع تبني المعيار في الصناعة.
لماذا نحتاج “مصدرًا رقميًا” بدل كاشف AI فقط؟
لأن أجهزة كشف المحتوى المولّد ليست مثالية.
تخيل أن برنامجًا يخبرك:
“هناك احتمال 70% أن هذه الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.”
ما زال لديك شك.
أما إذا كان الملف يحمل سجلًا موثقًا يقول:
تم إنشاؤه بواسطة الأداة X باستخدام AI، ثم تم تعديله في الأداة Y
فأصبح لدينا معلومة مباشرة عن أصل المحتوى.
وهذه هي فكرة Provenance — مصدر أو منشأ المحتوى.
بدل محاولة استنتاج الماضي من الصورة، نحاول أن نجعل الملف يحمل جزءًا من تاريخه معه.
ماذا عن SynthID؟
هناك طريقة أخرى تسمى:
SynthID.
وهي تقنية علامات مائية رقمية طورتها Google DeepMind.
بدل إضافة شعار مرئي فوق الصورة، يتم تضمين إشارة غير مرئية للمستخدم داخل المحتوى نفسه.
وتوضح Google أن SynthID يستطيع تضمين علامات مائية في أنواع مختلفة من المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، تشمل الصور والفيديو والصوت والنص.
الميزة المهمة أن العلامة مصممة لتحمل بعض التعديلات الشائعة مثل القص أو الضغط أو إضافة الفلاتر بحسب نوع الوسائط.
ما الفرق بين C2PA وSynthID؟
يمكن تبسيطهما بهذه الصورة:
C2PA / Content Credentials:
سجل معلومات وبيانات مرتبطة بأصل الملف وتاريخه.
SynthID:
علامة رقمية مخفية داخل المحتوى نفسه.
وهذا يعني أن الاثنين يمكن أن يعملا معًا.
بل إن OpenAI أعلنت في 2026 استخدام مزيج من Content Credentials (C2PA) وSynthID كإشارات للمساعدة في معرفة أصل بعض المحتوى الذي تنتجه أدواتها.
لماذا نحتاج الطريقتين معًا؟
لأن البيانات الوصفية يمكن أحيانًا أن تضيع عند إعادة حفظ الملف أو نقله بطرق معينة.
أما العلامة المائية المدمجة داخل المحتوى فقد تبقى في بعض الحالات.
وفي المقابل، يمكن لـContent Credentials تقديم معلومات أكثر تفصيلًا عن تاريخ الملف.
لذلك يعتمد مستقبل التحقق من المحتوى غالبًا على عدة طبقات من الأدلة بدل طريقة واحدة.
وهذا يشبه الأمن السيبراني:
لا نعتمد على كلمة مرور واحدة فقط عندما نريد حماية قوية، بل نضيف طبقات متعددة.
هل وجود Content Credentials يعني أن الصورة حقيقية؟
لا.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
إذا كانت الصورة تحمل Content Credentials، فهذا لا يعني أن المشهد الذي تعرضه حدث في الواقع.
قد توضح البيانات أصلًا أنها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
كما أن وجود سجل موثق لا يضمن أن المحتوى لم يُستخدم خارج سياقه.
OpenAI تؤكد أن إشارات المصدر مثل C2PA وSynthID مفيدة لمعرفة أصل المحتوى، لكنها لا تضمن أن المحتوى صحيح أو دقيق أو معروض في سياقه الصحيح.
إذًا يجب التفريق بين:
أصالة المصدر
و:
صحة الادعاء.
مثال يوضح الفرق
لنفترض أن صورة حقيقية التقطها مصور موثوق تظهر حشودًا كبيرة.
يمكن أن تكون الصورة أصلية 100%.
لكن شخصًا يعيد نشرها ويكتب:
“هذه الصورة التُقطت اليوم في مدينة معينة.”
بينما هي في الحقيقة من حدث وقع قبل سنوات في مكان آخر.
تقنيات إثبات المصدر قد تساعد على كشف جزء من تاريخ الملف.
لكننا ما زلنا بحاجة إلى التحقق من السياق.
لذلك لا يوجد زر واحد يقول لنا:
“هذا المحتوى صحيح بالكامل.”
كيف تتحقق من صورة أو فيديو بطريقة أفضل؟
بدل الاعتماد على إشارة واحدة، استخدم عدة أسئلة:
من نشر المحتوى أولًا؟
هل المصدر معروف؟
هل توجد نسخة أقدم منه؟
هل توجد مصادر مستقلة تؤكد الحدث؟
هل يحتوي الملف أو المنصة على معلومات عن Content Credentials؟
هل توجد علامة مائية موثقة من أداة AI؟
هل يتوافق زمان ومكان الصورة مع الادعاء المصاحب لها؟
هذه الطريقة أقوى من مجرد البحث عن أصابع غريبة أو أخطاء في الوجه.
هل يمكن لـGemini فحص SynthID؟
نعم بالنسبة للمحتوى الذي تستخدم فيه Google علامتها.
توضح Google أن المستخدم يمكنه رفع صورة أو فيديو أو مقطع صوتي إلى Gemini والسؤال عما إذا كان قد أُنشئ أو عُدّل بواسطة أدوات Google AI، فيبحث النظام عن علامة SynthID المناسبة.
كما وسعت Google خلال 2026 أدوات فهم أصل المحتوى عبر Search وGemini وChrome ومنتجات أخرى.
لكن إذا لم يُعثر على SynthID، فهذا لا يعني تلقائيًا أن المحتوى بشري أو حقيقي.
فقد يكون أُنشئ بأداة أخرى لا تستخدم العلامة نفسها.
وهذا فرق مهم جدًا.
وماذا عن الصور التي تنشئها أدوات OpenAI؟
توضح OpenAI أن الصور المدعومة التي تُنشأ عبر أدواتها يمكن أن تتضمن بيانات C2PA وعلامة SynthID، بينما يمكن استخدام SynthID كذلك في أنواع أخرى من المحتوى المدعوم مثل الصوت.
وهذا يعكس اتجاهًا أوسع في الصناعة:
الشركات لم تعد تعمل فقط على توليد المحتوى.
بل أيضًا على بناء طرق تساعد الآخرين على معرفة مصدره.
هل يمكن حذف العلامات؟
لا توجد تقنية مثالية.
بعض البيانات الوصفية قد تُزال.
وبعض عمليات التعديل قد تؤثر في العلامات المائية.
وقد تظهر محاولات متعمدة لتجاوز أنظمة إثبات المصدر.
ولهذا لا يجب اعتبار العلامة الرقمية دليلًا وحيدًا.
Google نفسها تصف SynthID بأنه جزء من مجموعة أوسع من الأدوات المستخدمة لفهم أصل المحتوى.
ماذا يعني ذلك للصور التي لا تحمل أي بيانات؟
غياب الدليل ليس دليلًا على الأصالة.
إذا لم تجد Content Credentials أو SynthID فهذا لا يعني:
“إذن الصورة حقيقية.”
ربما الصورة قديمة.
أو تم نقلها بطريقة أزالت البيانات.
أو أُنشئت بأداة مختلفة.
أو لم تستخدم التقنية من الأساس.
لذلك أفضل وصف للعلامات الرقمية هو:
إشارة إيجابية يمكن استخدامها عندما تكون موجودة، وليست اختبارًا شاملًا لكل محتوى الإنترنت.
ما الذي يتغير في الكاميرات نفسها؟
أحد أكثر الاتجاهات إثارة هو إضافة إثبات المصدر منذ اللحظة الأولى لالتقاط الصورة.
فبدل إضافة معلومات لاحقًا في برنامج تحرير، يمكن للكاميرا أن تنشئ بيانات موثقة توضح كيف وأين تم إنشاء الملف وفق ما تدعمه التقنية.
ولهذا فإن معيار C2PA لا يقتصر على شركات الذكاء الاصطناعي؛ بل يتم تبنيه أيضًا من شركات كاميرات ووسائل إعلام ومنصات ومؤسسات أخرى.
وهنا قد يصبح للصورة الرقمية مستقبلًا ما يشبه:
سلسلة نسب رقمية.
وهل سيظهر رمز يخبرنا بتاريخ الصورة؟
هذا هو الاتجاه الذي تحاول Content Credentials الوصول إليه.
فقد يظهر رمز أو خيار يسمح للمستخدم بفحص معلومات المنشأ.
وتوفر Adobe بالفعل أدوات ومتصفحات وخدمات تسمح بفحص Content Credentials للمحتوى المدعوم.
ومع توسع دعم المعيار، قد يصبح الاطلاع على أصل المحتوى جزءًا طبيعيًا من تصفح الإنترنت.
مثلما أصبح رمز القفل HTTPS مألوفًا اليوم.
لماذا هذا مهم جدًا للصحافة؟
في الأخبار، الوقت عامل حاسم.
عندما ينتشر مقطع فيديو خلال حدث كبير، تحتاج غرف الأخبار إلى معرفة:
من أين جاء؟
متى تم إنشاؤه؟
هل تم تعديله؟
هل هناك نسخة أصلية؟
ولهذا تتعاون مشاريع إثبات المصدر مع مؤسسات إعلامية ومنصات وشركات تقنية لتطوير أدوات تحقق أسرع.
وفي 2026 واصل C2PA توسيع نطاق المشاركة والتطبيق عبر النظام الرقمي.
وهل سيحل ذلك مشكلة التضليل نهائيًا؟
لا.
قد تكون الصورة أصلية لكن الوصف كاذبًا.
وقد يكون الفيديو حقيقيًا لكنه مجتزأ.
وقد ينشئ شخص صورة AI ثم يصرح بوضوح أنها مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، فلا يوجد تضليل أصلًا.
إذن المشكلة ليست:
AI = مزيف
بل:
هل يعرف المشاهد ماذا يشاهد، ومن أين جاء، وفي أي سياق يُستخدم؟
وهذا هو الهدف الحقيقي من تقنيات الشفافية.
ما الفرق بين هذا والتزييف العميق Deepfake؟
مقال التزييف العميق يركز عادة على المحتوى المزيف نفسه وكيف يمكن اكتشافه.
أما موضوع Content Credentials وC2PA فيركز على فكرة أوسع:
بناء سجل أصل وثقة للمحتوى الرقمي حتى لا نحتاج دائمًا إلى تخمين ما إذا كان مزيفًا.
ولهذا فهذا الموضوع لا يكرر المقال الموجود عندك عن اكتشاف المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي أو استنساخ الصوت، بل يأخذ زاوية إثبات المصدر والهوية الرقمية للمحتوى.
كيف قد يبدو الإنترنت بعد سنوات؟
قد ننتقل من عالم نسأل فيه:
“هل تبدو هذه الصورة حقيقية؟”
إلى عالم نستطيع فيه الضغط على الملف ومعرفة:
كيف أُنشئ؟
أي برنامج استخدم؟
هل استخدم AI؟
ما التعديلات التي أجريت؟
ومن الجهة التي وقعت سجل المصدر؟
وهذا لا يجعل الكذب مستحيلًا.
لكنه يجعل إخفاء تاريخ المحتوى أصعب.
الخلاصة
مع تطور الذكاء الاصطناعي، لن يكون من الواقعي الاعتماد على العين البشرية وحدها للتمييز بين المحتوى الحقيقي والمولد.
ولهذا تتجه الصناعة إلى مفهوم جديد:
إثبات المصدر بدل تخمين المصدر.
تقنيات مثل C2PA وContent Credentials وSynthID تحاول بناء طبقات من المعلومات والعلامات الرقمية التي تساعد على فهم كيفية إنشاء الصورة أو الفيديو أو الصوت.
لكنها ليست ختمًا يقول إن كل ما نراه صحيح.
فالتحقق الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة أشياء معًا:
المصدر + تاريخ المحتوى + السياق.
وقد يصبح أهم سؤال نطرحه على أي صورة مستقبلًا ليس:
“هل تبدو حقيقية؟”
بل:
“ما الدليل على المكان الذي جاءت منه؟”
0 تعليقات