RISC-V: هل يبدأ عصر المعالجات المفتوحة وينتهي احتكار تصميم الشرائح؟
عندما نشتري هاتفًا أو حاسوبًا أو ساعة ذكية، غالبًا نهتم بسرعة المعالج وعدد الأنوية واستهلاك البطارية.
لكن خلف هذه الأرقام يوجد شيء أعمق بكثير:
اللغة الأساسية التي يفهم بها المعالج الأوامر.
لسنوات طويلة اعتمدت صناعة الحوسبة على معماريات معروفة ومملوكة لشركات محددة، لكن هناك اسمًا بدأ يلفت الانتباه بقوة:
RISC-V.
والمثير فيه أنه ليس معالجًا واحدًا ولا شركة تصنع شريحة بعينها، بل معمارية مجموعة تعليمات مفتوحة يمكن استخدامها لتصميم أنواع مختلفة من المعالجات.
فهل يمكن أن يغير ذلك مستقبل صناعة الشرائح؟
أولًا: ما معنى معمارية المعالج؟
البرامج التي نستخدمها في النهاية يجب أن تتحول إلى تعليمات يستطيع المعالج تنفيذها.
ومجموعة القواعد والتعليمات التي تحدد كيفية تواصل البرمجيات مع المعالج تسمى:
Instruction Set Architecture – ISA
يمكن تشبيهها باللغة المشتركة بين البرامج والمعالج.
وتحدد أشياء مثل أنواع التعليمات التي يستطيع المعالج تنفيذها وكيف يتعامل مع البيانات والسجلات.
ومن أشهر معماريات المعالجات اليوم x86 وArm.
أما RISC-V فهو يقدم نهجًا مختلفًا.
ما هو RISC-V؟
RISC-V، وتُنطق تقريبًا ريسك فايف، هو معيار مفتوح لمعمارية مجموعة التعليمات.
وهذه نقطة مهمة جدًا:
RISC-V ليس تصميم معالج جاهزًا بحد ذاته.
بل يوفر أساسًا يمكن للمهندسين استخدامه لبناء تصميمات مختلفة للمعالجات.
وهذا يعني أن شركتين قد تستخدمان RISC-V، لكن المعالج الذي تصممه كل شركة يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا من حيث الأداء واستهلاك الطاقة والخصائص.
لماذا كلمة «مفتوح» مهمة؟
لأن استخدام معمارية مفتوحة يمنح المصممين مساحة كبيرة لتطوير معالجات تناسب احتياجاتهم دون الارتباط بالطريقة نفسها التي تفرضها بعض النماذج التجارية للمعماريات المملوكة.
لكن يجب ألا نفهم «مفتوح» على أنه يعني أن كل معالج RISC-V مجاني أو مفتوح المصدر بالكامل.
الشركة تستطيع بناء تصميم تجاري خاص بها باستخدام المعمارية.
إذن الشيء المفتوح أساسًا هو المعيار الخاص بمجموعة التعليمات، وليس بالضرورة كل تفاصيل الشريحة الناتجة.
تخيلي الأمر مثل لغة بناء مشتركة
لنفترض أن لدينا مجموعة قواعد معروفة لبناء المنازل.
كل مهندس يستطيع استخدام هذه القواعد، لكن النتيجة قد تكون مختلفة:
أحدهم يبني منزلًا صغيرًا موفرًا للطاقة.
والآخر يبني برجًا ضخمًا.
وثالث يصمم مصنعًا.
الفكرة مشابهة مع RISC-V.
يمكن استخدام الأساس نفسه لبناء معالجات لأجهزة صغيرة جدًا أو أنظمة مدمجة أو منتجات أكثر قوة، بحسب التصميم والتنفيذ.
لماذا تهتم الشركات بهذه التقنية؟
لأن الأجهزة أصبحت متنوعة بشكل هائل.
المعالج المناسب لمركز بيانات ليس بالضرورة مناسبًا لساعة ذكية أو جهاز استشعار صغير.
ومعمارية قابلة للتوسعة تسمح للمصممين باختيار الخصائص التي يحتاجون إليها وإضافة امتدادات مناسبة لبعض الاستخدامات.
وهذا يفتح المجال أمام معالجات أكثر تخصصًا بدل محاولة استخدام التصميم نفسه لكل شيء.
وما علاقتها بالذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي يدفع صناعة الشرائح باتجاه التخصص.
بعض المهام تحتاج إلى عمليات حسابية مختلفة عن تلك المستخدمة في التطبيقات التقليدية.
وهنا يمكن أن تكون قابلية RISC-V للتوسعة مفيدة عند تصميم أنظمة تحتوي على وظائف أو مسرعات متخصصة.
لكن هذا لا يعني أن RISC-V أصبح فجأة «معالج الذكاء الاصطناعي».
فالذكاء الاصطناعي يعتمد أيضًا على وحدات تسريع وذاكرة وبرمجيات وبنية كاملة حول المعالج.
RISC-V يمثل قطعة من هذه المنظومة وليس الحل كله.
هل يستطيع منافسة Arm وx86؟
السؤال الأدق ليس من «سيفوز».
فلكل معمارية منظومة ضخمة من البرمجيات والأجهزة والمطورين والاستخدامات.
x86 يمتلك تاريخًا طويلًا في الحواسيب والخوادم، بينما أصبحت Arm أساسية في الهواتف والأنظمة الموفرة للطاقة ومجالات أخرى.
أما RISC-V فينمو كخيار إضافي مفتوح يمكن استخدامه في مجموعة متزايدة من المنتجات.
والتحدي الحقيقي ليس تصميم المعالج فقط.
البرمجيات هي نصف المعركة
يمكنك صناعة معالج ممتاز، لكن ماذا ستفعلين إذا لم تكن أنظمة التشغيل والأدوات والمترجمات والبرامج جاهزة للعمل عليه؟
لهذا تعتبر المنظومة البرمجية Ecosystem من أهم عوامل نجاح أي معمارية.
كلما ازداد دعم أنظمة التشغيل وأدوات التطوير والمترجمات لـRISC-V، أصبح من الأسهل على الشركات والمطورين استخدامه.
وهذا العمل يحتاج سنوات من التطوير والتعاون.
وهل سيصبح هاتفك القادم RISC-V؟
ليس بالضرورة.
وجود التقنية لا يعني أنها ستستبدل جميع المعالجات الحالية قريبًا.
قد تظهر RISC-V أولًا أو بصورة أكبر داخل أجزاء لا يراها المستخدم أصلًا: وحدات تحكم، أجهزة إنترنت الأشياء، أنظمة مدمجة ومكونات متخصصة.
ثم قد تتوسع استخداماتها مع تطور الأداء والمنظومة المحيطة بها.
لذلك من الأفضل النظر إليها باعتبارها اتجاهًا طويل المدى في صناعة المعالجات وليس انقلابًا يحدث بين ليلة وضحاها.
ماذا يحدث إذا أصبحت المعالجات أكثر انفتاحًا؟
هنا تصبح الفكرة أكبر من مجرد شريحة.
وجود معيار مفتوح قد يسمح لعدد أكبر من الجامعات والشركات الناشئة والمصنعين بتجربة تصميمات جديدة.
وقد نشاهد معالجات مصممة لأهداف شديدة التخصص بدل الاقتصار على عدد محدود من الخيارات العامة.
تخيلي معالجًا مصممًا خصيصًا لروبوت صغير، وآخر لجهاز طبي، وثالث لنظام ذكاء اصطناعي، ورابع لجهاز منزلي منخفض الطاقة.
كل واحد منها يمكن أن يستخدم الأساس نفسه، لكن بطريقة مختلفة.
مستقبل المعالج قد يصبح أكثر تنوعًا
طوال عقود كان المستخدم العادي يعرف أسماء قليلة جدًا عندما يسمع كلمة «معالج».
لكن المستقبل قد يكون مختلفًا.
تقنيات مثل RISC-V وChiplets والمسرعات المتخصصة تشير إلى اتجاه تصبح فيه الشرائح أكثر قابلية للتخصيص والتركيب.
وقد لا يكون السؤال مستقبلًا:
«ما الشركة التي صنعت هذا المعالج؟»
بل:
«لأي مهمة صُمم هذا المعالج تحديدًا؟»
وهنا تكمن أهمية RISC-V؛ فهي لا تعدنا بمعالج سحري يتفوق على الجميع، وإنما تفتح بابًا أمام طريقة أكثر انفتاحًا لبناء العقول الصغيرة الموجودة داخل أجهزتنا.
0 تعليقات