لماذا يعرف هاتفك ما ستفعله قبل أن تفعله؟ كيف يعمل الذكاء الاصطناعي التنبؤي؟
تفتح هاتفك فتجد التطبيق الذي تحتاج إليه مقترحًا أمامك. تبدأ كتابة جملة فتظهر الكلمة التالية قبل أن تكملها. يلاحظ أحد التطبيقات أن طريقك المعتاد مزدحم فيقترح مسارًا آخر، بينما تستطيع بعض الخدمات توقع المحتوى الذي قد ترغب في مشاهدته لاحقًا.
قد يبدو أحيانًا وكأن الهاتف يعرف ما ستفعله قبل أن تفعله.
لكن ما يحدث في الواقع ليس قراءة للأفكار، بل نتيجة مجال واسع يسمى الذكاء الاصطناعي التنبؤي Predictive AI، حيث تستخدم الخوارزميات البيانات السابقة والحالية لمحاولة تقدير ما قد يحدث بعد ذلك.
فكيف تعمل هذه التقنية؟ وما الذي تعرفه عنا فعلًا؟ وهل تستطيع التنبؤ بسلوك الإنسان بدقة؟
ما الذكاء الاصطناعي التنبؤي؟
الذكاء الاصطناعي التنبؤي هو استخدام نماذج رياضية وتقنيات تعلم الآلة لتحليل البيانات والعثور على أنماط تساعد على توقع نتيجة مستقبلية.
إذا تكرر نمط معين مرات كثيرة، يمكن للنظام أن يتعلم أن حدوث مجموعة من الظروف يرتبط غالبًا بنتيجة معينة.
ثم عندما يرى ظروفًا مشابهة، يستطيع تقدير احتمالية حدوث النتيجة مرة أخرى.
وهذا يعني أن النظام لا “يرى المستقبل”، وإنما يقوم بشيء أقرب إلى:
تحليل الماضي والحاضر لحساب ما يُرجح حدوثه بعد ذلك.
كيف يعرف الهاتف التطبيق الذي قد تحتاج إليه؟
لنفترض أنك تفتح تطبيقًا معينًا في وقت متقارب كل صباح.
مع مرور الوقت يمكن لنظام التوصية على الجهاز أو داخل الخدمة ملاحظة هذا النمط.
وقد تدخل عوامل أخرى في التوقع، وفق النظام والأذونات المتاحة، مثل الوقت أو الأنشطة السابقة أو السياق الحالي.
عندما تتكرر الأنماط، يستطيع النظام ترتيب بعض الخيارات بحيث يظهر التطبيق الذي يتوقع أنك ستحتاج إليه في موضع أسهل للوصول.
إنه لا يعرف أنك ستفتحه بالتأكيد؛ بل يرجح ذلك بناءً على الأنماط السابقة.
لماذا تظهر الكلمة التي كنت سأكتبها؟
لوحة المفاتيح مثال واضح على التنبؤ.
عندما تكتب عدة كلمات، يمكن للنظام استخدام الكلمات السابقة والسياق اللغوي لتقدير الكلمات المحتملة التي قد تأتي بعدها.
نماذج اللغة الحديثة تعمل على مبدأ أكثر تطورًا بكثير من الاقتراح البسيط، لكنها تعتمد في جوهر عملية التوليد على حساب احتمالات الرموز التالية بناءً على السياق المتاح.
ولهذا يمكن أن يبدو الاقتراح دقيقًا بصورة مدهشة.
لكن الدقة لا تعني أن النظام قرأ الفكرة الموجودة في ذهنك؛ بل أن اللغة نفسها تحتوي على أنماط يمكن تعلمها إحصائيًا.
من أين تأتي التوقعات؟
تعتمد جودة أي نظام تنبؤي على البيانات التي يستخدمها.
وقد تشمل البيانات — بحسب نوع الخدمة وإعداداتها وسياسة الخصوصية — سجل التفاعل مع التطبيق، أو عمليات البحث، أو المحتوى الذي نقر عليه المستخدم، أو الوقت، أو أنماط الاستخدام السابقة.
ثم يبحث نموذج تعلم الآلة عن العلاقات بين هذه البيانات والنتائج التي حدثت لاحقًا.
بمرور الوقت يستطيع النموذج بناء تمثيل يساعده على الإجابة عن أسئلة مثل:
ما المحتوى الذي قد يهتم به هذا المستخدم؟
ما المنتج الذي يحتمل أن ينقر عليه؟
هل هذا النشاط غير معتاد؟
ما المسار الذي يحتمل أن يكون أسرع؟
أو ما الإجراء الذي قد يقوم به المستخدم بعد ذلك؟
التوصيات نوع من التنبؤ
عندما تقترح عليك منصة مقطع فيديو أو أغنية أو منتجًا، فهي لا تحاول فقط وصف اهتماماتك السابقة.
إنها تحاول في الغالب تقدير احتمالية تفاعلك مع خيار معين مستقبلًا.
قد تتعلم الأنظمة من سلوكك ومن خصائص المحتوى، وقد تستفيد أيضًا من أنماط مستخدمين آخرين وفق تصميم الخدمة.
بعد ذلك ترتب الخيارات بناءً على تقديرات النموذج.
ولهذا قد تختلف الصفحة الرئيسية من شخص إلى آخر حتى لو كانا يستخدمان التطبيق نفسه.
هل كل التوقعات تتم في السحابة؟
لا.
يمكن تنفيذ بعض نماذج تعلم الآلة مباشرة على الهاتف، وهو ما يعرف غالبًا باسم On-device AI.
هذه الطريقة قد توفر مزايا مثل سرعة الاستجابة وإمكانية تنفيذ بعض الوظائف دون إرسال كل البيانات الخام إلى خادم بعيد.
لكن تطبيقات أخرى تعتمد على خوادم سحابية أو تجمع بين المعالجة المحلية والسحابية.
لذلك لا يمكن افتراض أن كل ميزة ذكية في الهاتف تعمل بالطريقة نفسها.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي توقع ما سنشتريه؟
يمكنه تقدير الاحتمالات.
فإذا كان هناك سجل كافٍ من التفاعلات، تستطيع أنظمة التوصية محاولة تحديد المنتجات أو الخدمات التي قد تهم المستخدم.
لكن الإنسان ليس معادلة ثابتة.
قد تغير رأيك فجأة، أو تشتري هدية لشخص آخر، أو تبحث عن شيء لا تهتم به شخصيًا، أو تبدأ هواية جديدة.
وهنا يمكن أن يفشل النموذج؛ لأنه يحاول توقع المستقبل باستخدام أنماط مستخرجة من الماضي.
عندما تتحول التوقعات إلى دائرة
هناك جانب أكثر إثارة للاهتمام.
إذا توقعت الخوارزمية أنك تحب نوعًا معينًا من المحتوى ثم بدأت تعرض المزيد منه، فقد تتفاعل معه أكثر لأنه أصبح أكثر ظهورًا أمامك.
بعد ذلك يرى النظام تفاعلك الإضافي باعتباره دليلًا جديدًا على اهتمامك بهذا النوع، فيقترح المزيد منه.
يمكن أن تنشأ بذلك حلقة تغذية راجعة Feedback Loop تؤثر فيها التوصية على السلوك، ثم يستخدم النظام السلوك الناتج لتحسين توصياته التالية.
وهذا يوضح أن أنظمة التنبؤ لا تكتفي دائمًا بمراقبة اختياراتنا؛ بل إن ترتيب الخيارات المعروضة أمامنا يمكن أن يؤثر فيما نختاره أيضًا.
هل يعني ذلك أن الهاتف يتجسس علينا؟
ظهور اقتراح دقيق لا يثبت بمفرده أن الهاتف استمع إلى محادثة أو تجسس على المستخدم.
في أحيان كثيرة تستطيع أنظمة التوصية إنتاج توقعات تبدو شخصية للغاية باستخدام بيانات وأنماط سلوكية متاحة بالفعل للخدمة.
وهذا لا يلغي مخاوف الخصوصية.
بل يجعل السؤال الأدق:
ما البيانات التي تجمعها الخدمة، ولماذا تجمعها، وأين تتم معالجتها، وما الخيارات التي يملكها المستخدم للتحكم بها؟
لذلك من المهم مراجعة الأذونات وإعدادات الخصوصية وسياسات الخدمات بدل الاعتماد على الانطباع وحده.
أين يستخدم الذكاء الاصطناعي التنبؤي غير الهواتف؟
استخداماته أوسع بكثير.
في الصناعة يمكن تحليل بيانات الآلات لمحاولة توقع الأعطال قبل توقف المعدات.
وفي الخدمات المالية يمكن استخدام النماذج للمساعدة في اكتشاف الأنشطة غير المعتادة.
وفي سلاسل الإمداد يمكن محاولة توقع الطلب على المنتجات.
كما تستخدم أنظمة النقل بيانات حالية وتاريخية لتقدير الازدحام وأوقات الوصول.
إذن المبدأ واحد تقريبًا:
بيانات + أنماط + نموذج = تقدير احتمالي لما قد يحدث لاحقًا.
هل الذكاء الاصطناعي التنبؤي هو نفسه الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
ليس تمامًا.
يركز الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI على إنشاء محتوى جديد مثل النصوص والصور والصوت.
أما الذكاء الاصطناعي التنبؤي فيستخدم البيانات عادة لتقدير نتيجة أو احتمال مستقبلي.
لكن الحدود ليست دائمًا حادة.
فنموذج اللغة التوليدي نفسه يولد النص من خلال توقع الرموز التالية بصورة متتابعة.
وهذا يوضح كيف يمكن أن تتداخل الأفكار التقنية حتى عندما تختلف التطبيقات النهائية.
هل ستصبح الهواتف أفضل في توقع احتياجاتنا؟
من المرجح أن تزداد قدرة الأجهزة والخدمات على فهم السياق مع تطور الذكاء الاصطناعي المحلي والنماذج الأكثر كفاءة.
وقد تتحول بعض الأنظمة من انتظار الأمر المباشر إلى تقديم اقتراحات استباقية عندما ترى أن المستخدم قد يحتاج إلى شيء ما.
لكن كلما ازدادت قدرة التقنية على التنبؤ بالسلوك، ازدادت أهمية الخصوصية والشفافية وتحكم المستخدم.
فالخدمة التي تتوقع احتياجاتك جيدًا تحتاج عادة إلى معلومات أو سياق يساعدها على بناء ذلك التوقع.
الخلاصة
هاتفك لا يقرأ أفكارك ولا يعرف المستقبل.
لكنه يستطيع استخدام الأنماط والبيانات لتقدير ما قد تفعله بعد ذلك، وأحيانًا تكون هذه التقديرات دقيقة لدرجة تجعلها تبدو وكأن الجهاز سبقك إلى الفكرة.
وراء اقتراح التطبيق والكلمة التالية والفيديو والمنتج توجد الفكرة نفسها:
استخدام الماضي والحاضر لحساب المستقبل الأكثر احتمالًا.
وربما يكون السؤال الأهم مع تطور هذه التقنية ليس: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الاصطناعي جيدًا في توقعنا؟
بل: كم من المعلومات نريد أن نمنحه حتى يفعل ذلك؟
0 تعليقات