كيف يرى الذكاء الاصطناعي الصور؟ وهل يفهم ما يشاهده مثل الإنسان؟
تفتح تطبيق الصور في هاتفك وتبحث عن كلمة “قطة”، فتظهر أمامك صور القطط التي التقطتها قبل سنوات. توجه كاميرا هاتفك نحو نبات، فيحاول أحد التطبيقات التعرف على نوعه. وترفع صورة إلى أداة ذكاء اصطناعي فتستطيع وصف الأشخاص والأشياء والخلفية وربما قراءة بعض النصوص الموجودة داخلها.
من السهل أمام هذه القدرات أن نقول إن الذكاء الاصطناعي أصبح يرى.
لكن هل يرى الصورة فعلًا بالطريقة نفسها التي تراها بها أعيننا؟ وكيف تتحول ملايين النقاط الملونة الموجودة في الصورة إلى مفاهيم مثل سيارة أو منزل أو شجرة؟
وراء ذلك يوجد مجال كامل يسمى الرؤية الحاسوبية Computer Vision.
ماذا يرى الحاسوب عندما تفتح صورة؟
بالنسبة للإنسان، الصورة قد تكون طفلًا يلعب في حديقة أو سيارة تسير في شارع.
أما الحاسوب فيتعامل معها في البداية باعتبارها بيانات رقمية.
تتكون الصورة الرقمية من شبكة من العناصر الصغيرة تسمى Pixels أو البكسلات، ويحمل كل بكسل قيمًا رقمية تمثل اللون والسطوع وفق طريقة تخزين الصورة.
إذن النظام لا يبدأ من مفهوم “هذه قطة”.
بل يبدأ من أعداد.
وتكمن مهمة نموذج الرؤية في تحويل هذه الأعداد تدريجيًا إلى تمثيلات تسمح له بالتعرف على الأنماط والأشياء.
كيف يتعلم الذكاء الاصطناعي التعرف على الأشياء؟
أحد الأساليب الأساسية هو تدريب النموذج على أعداد كبيرة من الصور والأمثلة.
لنفترض أننا نريد بناء نموذج يفرق بين صور القطط والكلاب.
خلال التدريب يرى النموذج أمثلة كثيرة ويحاول تعلم الأنماط التي تساعده على التمييز بينها.
لا نعطيه عادة قاعدة مكتوبة تقول:
“إذا كان شكل الأذن بهذه الطريقة فهذا قط.”
بدلًا من ذلك، تتعلم الشبكة العصبية تمثيلات وخصائص من البيانات نفسها.
ومع تطور عملية التدريب، يمكن للنموذج تعلم خصائص أكثر تعقيدًا تساعده على تصنيف صور لم يرها من قبل.
من الحواف البسيطة إلى الأشياء المعقدة
يمكن التفكير في بعض أنظمة الرؤية على أنها تبني فهمها على عدة مستويات.
في المراحل الأولى قد تكون بعض الأنماط المرتبطة بالحواف والاتجاهات والملمس مفيدة.
ثم يمكن للطبقات اللاحقة تكوين تمثيلات أكثر تعقيدًا.
في النهاية تصبح لدى النموذج تمثيلات تساعده على التمييز بين الأشياء والفئات.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن النموذج يبني المفاهيم بالطريقة نفسها التي يعمل بها الدماغ البشري.
إنه يتعلم تمثيلات رياضية مفيدة لأداء المهمة.
ما الفرق بين تصنيف الصورة واكتشاف الأشياء؟
إذا أعطيت النظام صورة سيارة وطلبت منه تحديد ما تحتويه الصورة، فقد يقول:
“سيارة.”
هذا يسمى غالبًا Image Classification أو تصنيف الصور.
لكن ماذا لو كانت الصورة تحتوي على خمس سيارات وشخصين وإشارة مرور؟
هنا نحتاج إلى مهمة أخرى تسمى Object Detection أو اكتشاف الأشياء.
لا يحاول النظام فقط معرفة أنواع الأشياء الموجودة، بل يحدد أيضًا مواقعها داخل الصورة، وغالبًا يرسم مربعًا حول كل عنصر تم اكتشافه.
وهذه التقنية تدخل في تطبيقات كثيرة، من أنظمة المراقبة إلى الروبوتات والمركبات.
وماذا عن تقسيم الصورة؟
هناك مستوى أكثر دقة يسمى Image Segmentation.
بدل وضع مستطيل حول السيارة، يستطيع النظام محاولة تحديد البكسلات التي تنتمي إلى السيارة نفسها.
بذلك يمكنه فصل الطريق عن الرصيف والسيارة والسماء والمباني.
وهذه القدرة مهمة في تطبيقات تحتاج إلى فهم أكثر تفصيلًا للمشهد.
كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي وصف صورة كاملة؟
نماذج الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط الحديثة لا تكتفي بتصنيف الصور.
يمكنها استقبال الصورة مع النص والتعامل مع الاثنين داخل النظام نفسه.
تقوم أجزاء من النموذج بتحويل المعلومات البصرية إلى تمثيلات يستطيع النموذج معالجتها، ثم تستخدم هذه المعلومات لإنتاج إجابة لغوية.
ولهذا يمكنك رفع صورة والسؤال:
“ماذا يحدث هنا؟”
أو:
“اشرح لي هذا الرسم البياني.”
أو:
“ما الخطأ الموجود في هذه الصورة؟”
وهنا ننتقل من مجرد التعرف على شيء إلى محاولة فهم العلاقات بين عناصر المشهد والتحدث عنها باللغة.
كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي الكلمات الموجودة داخل الصور؟
من التقنيات المعروفة في هذا المجال التعرف البصري على الحروف OCR.
تسمح هذه التقنية باستخراج النص من الصور والمستندات الممسوحة ضوئيًا.
لكن النماذج متعددة الوسائط الحديثة تستطيع أيضًا التعامل مع النصوص المرئية ضمن قدراتها البصرية.
ومع ذلك، قد تحدث أخطاء، خصوصًا عندما يكون الخط صغيرًا أو مشوشًا أو مائلًا أو عندما تكون الصورة منخفضة الجودة.
ولهذا فإن قراءة النص من الصورة ليست دائمًا مطابقة لقراءة الملف النصي الأصلي.
لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي أحيانًا في أشياء واضحة جدًا؟
قد تعرض على النموذج صورة يستطيع أي إنسان فهمها فورًا، لكنه يعطي تفسيرًا خاطئًا.
يحدث ذلك لأن النموذج لا يرى العالم بخبرتنا البشرية نفسها.
فهو يعتمد على الأنماط التي تعلمها من بيانات التدريب وعلى طريقة تمثيل الصورة.
قد تؤثر الإضاءة أو زاوية التصوير أو الخلفية أو وجود عناصر غير معتادة في النتيجة.
كما يمكن لبعض النماذج أن تعتمد على ارتباطات غير مقصودة في البيانات.
فإذا ظهرت فئة معينة غالبًا مع خلفية محددة أثناء التدريب، قد يتعلم النموذج الاعتماد على الخلفية أكثر مما ينبغي.
هل يمكن خداع نظام الرؤية؟
نعم، وهذا مجال بحثي مهم يعرف بالهجمات العدائية Adversarial Attacks.
في بعض الحالات يمكن لتغييرات مصممة بعناية في الصورة أن تجعل نموذج الرؤية يصنفها بطريقة مختلفة، رغم أن التغيير قد يكون محدودًا بالنسبة للمشاهد البشري.
ولا يعني ذلك أن أي تعديل عشوائي سيخدع كل نموذج.
لكن هذه الظاهرة تكشف فرقًا مهمًا بين الطريقة التي تعالج بها النماذج الصور والطريقة التي يدرك بها البشر المشهد.
ولهذا يعد اختبار متانة أنظمة الرؤية أمرًا مهمًا خصوصًا عندما تستخدم في تطبيقات حساسة.
هل التعرف على الوجه هو نفسه الرؤية الحاسوبية؟
التعرف على الوجوه أحد تطبيقات الرؤية الحاسوبية، لكنه أكثر حساسية من مجرد اكتشاف وجود وجه في الصورة.
هناك فرق بين:
Face Detection: اكتشاف أن هناك وجهًا في الصورة.
وFace Recognition: محاولة تحديد هوية الشخص أو مطابقة الوجه بوجه معروف.
والنوع الثاني يثير قضايا كبيرة مرتبطة بالخصوصية والبيانات البيومترية والتحيز ودقة الأنظمة.
لذلك يخضع استخدامه لنقاشات وقوانين مختلفة حسب الدولة والسياق.
هل يرى الذكاء الاصطناعي مثل الإنسان؟
ليس بالمعنى الحرفي.
الإنسان لا يرى البكسلات فقط.
نحن نربط المشهد بالخبرة والذاكرة والسياق والعالم المادي، ونفهم كثيرًا من الأشياء اعتمادًا على سنوات من التفاعل مع البيئة.
أما نموذج الرؤية فيعالج تمثيلات رقمية تعلم منها أنماطًا وعلاقات تساعده على أداء مهام محددة.
وقد يتفوق على الإنسان في مهمة بصرية ضيقة جدًا، ثم يخطئ في موقف يبدو بسيطًا بالنسبة لنا.
لذلك فإن استخدام كلمة “يرى” هو تبسيط مفيد، لكنه لا يعني أن التجربة البصرية للآلة مطابقة لتجربة الإنسان.
أين نستخدم الرؤية الحاسوبية دون أن نلاحظ؟
التقنية موجودة حولنا بالفعل.
يمكن استخدامها في تنظيم الصور والبحث داخلها، وفحص المنتجات في المصانع، وتحليل صور الأقمار الصناعية، ومساعدة الروبوتات على فهم البيئة المحيطة، وقراءة المستندات، وتحليل الصور الطبية ضمن أنظمة متخصصة.
كما تستخدم في بعض أنظمة المركبات لتحليل الطريق والعلامات والأجسام المحيطة.
وهذا يجعل الرؤية الحاسوبية واحدة من أكثر مجالات الذكاء الاصطناعي ارتباطًا بالعالم الحقيقي.
ماذا سيحدث عندما تجتمع الرؤية مع الصوت واللغة؟
هذا هو الاتجاه المثير حاليًا.
بدل نموذج يفهم النص وحده أو الصورة وحدها، تتجه الأنظمة نحو الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط Multimodal AI.
يمكن للنظام أن يستقبل صورة ونصًا وصوتًا وربما فيديو، ثم يحاول الربط بينها.
وقد يسمح ذلك لمساعد ذكي بالنظر إلى مشكلة أمام المستخدم والاستماع إلى سؤاله ثم شرح ما يراه.
بالنسبة للروبوتات، تصبح هذه القدرة أكثر أهمية لأنها تساعد النظام على ربط الأوامر اللغوية بالأشياء الموجودة في العالم المادي.
الخلاصة
عندما ينظر الذكاء الاصطناعي إلى صورة، لا تبدأ رحلته بقطة أو سيارة أو إنسان.
تبدأ الرحلة بأرقام وبكسلات.
ومن خلال التدريب والشبكات العصبية تتكون تمثيلات تسمح للنظام بالتعرف على الأنماط والأشياء والعلاقات بينها.
وقد وصلت هذه التقنيات إلى مستوى مذهل، لكنها لا تعني أن الآلة ترى العالم بالطريقة نفسها التي نراه بها.
وربما يكون السؤال الأكثر إثارة في السنوات القادمة ليس:
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي رؤية الأشياء؟
بل:
إلى أي مدى يستطيع فهم العالم الذي تمثل هذه الصور جزءًا منه؟
0 تعليقات