كيف تتعرف عليك المواقع حتى بعد حذف الكوكيز؟ شرح بصمة المتصفح Browser Fingerprinting
تحذف ملفات تعريف الارتباط من متصفحك، وتغلق الصفحات، وربما تستخدم وضع التصفح الخاص.
ومع ذلك قد تتساءل: هل تستطيع المواقع أو خدمات الإنترنت معرفة أن الجهاز الذي عاد إليها هو الجهاز نفسه؟
الإجابة أن الكوكيز ليست الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها للتمييز بين المتصفحات والأجهزة.
هناك تقنية تعرف باسم بصمة المتصفح Browser Fingerprinting تعتمد على جمع مجموعة من خصائص المتصفح والجهاز ومحاولة تكوين بصمة يمكن استخدامها لتمييز مستخدم أو جهاز عن غيره بدرجات متفاوتة من الدقة.
لكن كيف يمكن لمجموعة من المعلومات التي تبدو عادية أن تتحول إلى بصمة؟
أولًا: ما ملفات تعريف الارتباط Cookies؟
عندما تزور موقعًا إلكترونيًا، يستطيع الموقع تخزين معلومات صغيرة في المتصفح تعرف باسم Cookies.
لها استخدامات كثيرة ومشروعة، مثل الاحتفاظ بتسجيل الدخول، وتذكر إعدادات الموقع، وحفظ محتويات سلة التسوق.
لكن بعض أنواع ملفات الارتباط يمكن استخدامها أيضًا ضمن تقنيات القياس والإعلانات والتتبع.
الميزة المهمة هنا أن الكوكي ملف أو قيمة مخزنة يمكن للمستخدم حذفها أو تقييدها بحسب المتصفح والإعدادات.
أما بصمة المتصفح فتعمل بفكرة مختلفة.
ما بصمة المتصفح؟
بدل وضع معرّف واضح داخل جهازك، يمكن للجهة التي تتفاعل معها جمع مجموعة من الخصائص التي يكشفها المتصفح أو يمكن استنتاجها أثناء الاستخدام.
قد تتضمن — بحسب المتصفح والتقنيات المتاحة — معلومات مثل:
نوع المتصفح وإصداره، نظام التشغيل، حجم الشاشة، المنطقة الزمنية، اللغة، بعض خصائص الجهاز والرسومات، ودعم ميزات ويب معينة.
كل معلومة بمفردها قد تكون شائعة جدًا.
لكن عند جمع عدة خصائص معًا، قد تصبح التركيبة أقل شيوعًا.
وهنا تتكون فكرة البصمة.
مثال بسيط: كيف تتحول المعلومات العادية إلى هوية محتملة؟
لنفترض أن الموقع يعرف فقط أنك تستخدم هاتفًا.
هذه المعلومة لا تفيده كثيرًا؛ فهناك ملايين الهواتف.
أضف نظام التشغيل.
ثم دقة الشاشة.
ثم اللغة.
ثم المنطقة الزمنية.
ثم إصدار المتصفح.
ثم مجموعة من الخصائص التقنية الأخرى.
مع كل خاصية إضافية يمكن أن تصبح مجموعة الأجهزة التي تشترك في التركيبة نفسها أصغر.
وبذلك قد يستطيع النظام تقدير أن الزيارة الحالية تشبه بدرجة كبيرة زيارة سابقة.
لكن هذه ليست هوية مؤكدة دائمًا؛ فالبصمات قد تتغير أو تتشابه بين أجهزة متعددة.
ما Canvas Fingerprinting؟
من التقنيات المعروفة في هذا المجال ما يسمى Canvas Fingerprinting.
يحتوي الويب على عنصر يسمح للمتصفح برسم الرسومات.
يمكن لبرنامج داخل الصفحة أن يطلب من المتصفح رسم شكل معين، ثم يحلل النتيجة الرقمية.
قد تختلف تفاصيل الإخراج قليلًا بحسب نظام التشغيل والمتصفح وبرامج تشغيل الرسومات والخطوط ومكونات أخرى.
هذه الفروق قد تسهم في تكوين بصمة.
الفكرة ليست أن الموقع ينظر إلى صورة سرية داخل جهازك، بل أنه يطلب من الجهاز تنفيذ عملية رسومية ثم يدرس خصائص النتيجة.
وماذا عن WebGL؟
تقنية WebGL تسمح للمواقع باستخدام قدرات الرسومات في الجهاز لعرض محتوى ثلاثي الأبعاد ورسومات متقدمة.
وبحسب المتصفح وإعداداته، قد تكشف بعض الاستعلامات معلومات أو خصائص مرتبطة ببيئة الرسومات.
ويمكن دمج هذه الإشارات مع غيرها ضمن محاولة بناء بصمة أكثر تميزًا.
ولهذا فإن بصمة المتصفح لا تعتمد على معلومة سحرية واحدة.
قوتها تأتي من الجمع بين عدد كبير من الإشارات الصغيرة.
هل عنوان IP جزء من البصمة؟
يمكن أن يكون عنوان IP إشارة إضافية في أنظمة التعرف أو مكافحة الاحتيال، لكنه ليس بصمة ثابتة مثالية.
فعنوان IP قد يتغير، وقد يشترك عدة مستخدمين في عنوان عام واحد، كما قد يستخدم الشخص VPN أو ينتقل من شبكة إلى أخرى.
لذلك لا يمكن الاعتماد عليه وحده لتحديد جهاز بصورة موثوقة.
لكن عندما يُدمج مع معلومات أخرى، قد يصبح إحدى الإشارات التي يستخدمها النظام.
ماذا يحدث عندما تحذف الكوكيز؟
عند حذف الكوكيز، تتم إزالة تلك البيانات المخزنة من المتصفح وفق نطاق الحذف الذي اخترته.
لكن خصائص جهازك الأساسية لا تتغير بالضرورة.
دقة الشاشة ما زالت نفسها.
لغة النظام قد تكون نفسها.
إصدار المتصفح قد يظل نفسه.
المنطقة الزمنية قد تبقى نفسها.
وبالتالي يمكن لنظام يعتمد على البصمة محاولة التعرف على تشابه الجهاز حتى دون الاعتماد على الكوكي القديم.
وهذا هو الفرق الأساسي:
الكوكي شيء يُخزن، بينما البصمة يمكن أن تُستنتج من الخصائص المتاحة.
هل وضع التصفح الخفي يمنع البصمة؟
ليس بالضرورة.
وضع التصفح الخاص أو Incognito مصمم أساسًا لتقليل الآثار المحلية بعد انتهاء الجلسة، مثل سجل التصفح وبعض بيانات المواقع.
لكنه لا يجعل الجهاز غير مرئي على الإنترنت.
المواقع التي تزورها ما زالت بحاجة إلى التواصل مع جهازك، وقد تظل قادرة على رؤية بعض المعلومات التقنية اللازمة لتشغيل الصفحة.
ولهذا لا ينبغي التعامل مع التصفح الخاص على أنه أداة إخفاء هوية كامل.
لماذا تستخدم الشركات بصمة المتصفح؟
ليست كل استخدامات البصمة متطابقة.
يمكن استخدام تقنيات التعرف على الجهاز في مكافحة الاحتيال والأمن.
على سبيل المثال، إذا دخل حساب حساس فجأة من بيئة مختلفة تمامًا عن المعتاد، فقد تكون هذه إشارة تستحق تحققًا إضافيًا.
كما يمكن استخدام تقنيات مشابهة في منع إساءة استخدام الخدمات أو اكتشاف الروبوتات.
وفي المقابل تثير استخدامها لأغراض التتبع والإعلانات مخاوف كبيرة تتعلق بالخصوصية.
إذن التقنية نفسها يمكن أن تدخل في أغراض مختلفة، ويهم كثيرًا كيف ولماذا تُستخدم البيانات.
هل البصمة دقيقة 100%؟
لا.
قد يتغير المتصفح بعد تحديثه.
قد يغير المستخدم حجم الشاشة أو إعدادات اللغة.
قد تتغير خصائص النظام أو الجهاز.
وقد تتشارك أجهزة كثيرة في خصائص متشابهة.
لذلك يمكن أن تحدث أخطاء من نوعين:
قد يعتقد النظام أن جهازين مختلفين هما الجهاز نفسه.
أو قد يعتقد أن الجهاز نفسه أصبح جهازًا جديدًا.
ولهذا فإن الأنظمة المتقدمة قد تتعامل مع البصمة باعتبارها إشارة احتمالية وليس هوية مؤكدة دائمًا.
ماذا تفعل المتصفحات لحماية الخصوصية؟
طورت المتصفحات خلال السنوات الماضية وسائل مختلفة للحد من التتبع.
بعضها يقلل المعلومات التي يمكن للمواقع الحصول عليها، وبعضها يجعل قيمًا معينة أكثر تشابهًا بين المستخدمين، أو يقيد تقنيات قد تستخدم للتتبع.
الفكرة مثيرة للاهتمام:
إذا كان جعل جهازك مختلفًا جدًا عن الآخرين يساعد على تكوين بصمة، فإن إحدى وسائل الحماية هي جعل عدد كبير من المستخدمين يبدون أكثر تشابهًا من منظور الموقع.
وهذا يقلل قدرة الجهة على تمييز جهاز واحد داخل المجموعة.
هل تثبيت إضافات كثيرة يحميك أم يجعلك أكثر تميزًا؟
الإجابة ليست دائمًا بسيطة.
قد تساعد بعض أدوات الخصوصية على منع برامج التتبع.
لكن إجراء تعديلات غير شائعة جدًا على المتصفح يمكن — في بعض السياقات — أن يجعل تكوين جهازك أكثر تميزًا مقارنة بالمستخدمين الآخرين.
لهذا فإن حماية الخصوصية لا تعني بالضرورة تغيير أكبر عدد ممكن من الإعدادات بصورة عشوائية.
الأفضل عادة الاعتماد على خصائص الحماية الموثوقة في المتصفح والأدوات المعروفة وفهم الأذونات التي نمنحها للمواقع.
وهل يمكن منع بصمة المتصفح نهائيًا؟
من الصعب جعل المتصفح لا يكشف أي معلومات؛ فالمواقع تحتاج إلى بعض المعلومات لكي تعمل بصورة صحيحة.
على سبيل المثال، تحتاج الصفحة إلى معرفة بعض قدرات الجهاز حتى تعرض المحتوى بطريقة مناسبة.
التحدي هو تقليل المعلومات التي يمكن استخدامها للتعرف على المستخدم عبر المواقع دون حاجة وظيفية واضحة.
ولهذا أصبحت مكافحة Fingerprinting سباقًا مستمرًا بين تقنيات التتبع ووسائل حماية الخصوصية.
ماذا عن الهاتف؟
المبدأ العام يمكن أن يظهر أيضًا على الأجهزة المحمولة، لكن طبيعة المعلومات المتاحة تختلف باختلاف نظام التشغيل والمتصفح والتطبيق.
كما أن التطبيقات الأصلية لا تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها صفحات الويب.
وقد تستخدم أنظمة الإعلانات أو التحليلات معرّفات وتقنيات أخرى وفق النظام والأذونات والسياسات.
لذلك يجب التفريق بين بصمة المتصفح على الويب وبين جميع أشكال تتبع الأجهزة المحمولة.
لماذا تعتبر البصمة قضية خصوصية مهمة؟
لأن المستخدم يستطيع رؤية الكوكيز وحذفها بسهولة نسبيًا.
أما البصمة فهي أقل وضوحًا.
قد لا يوجد ملف باسم “بصمتي” تستطيع الضغط عليه وحذفه.
هي نتيجة تُحسب من مجموعة خصائص.
ولهذا تثير التقنية أسئلة حول الموافقة والشفافية وقدرة المستخدم على معرفة متى يتم تتبعه والتحكم في ذلك.
هل يمكن أن تصبح بصمة المتصفح أقوى مع الذكاء الاصطناعي؟
يمكن استخدام تعلم الآلة في أنظمة تحاول ربط مجموعة كبيرة من الإشارات وتقدير احتمال أن نشاطين يعودان إلى الجهاز أو المستخدم نفسه.
لكن زيادة القدرة على تحليل البيانات تجعل مسألة الخصوصية أكثر أهمية أيضًا.
كلما أصبح من الممكن دمج إشارات صغيرة ومتفرقة بصورة أذكى، أصبح من الضروري وضع حدود واضحة لما ينبغي جمعه وكيفية استخدامه.
كيف تقلل التتبع عمليًا؟
لا توجد خطوة واحدة تضمن عدم إمكانية تتبعك، لكن يمكنك تقليل التعرض.
استخدم متصفحًا حديثًا يوفر خصائص حماية من التتبع، وحافظ عليه محدثًا.
راجع أذونات المواقع ولا تمنح الكاميرا أو الميكروفون أو الموقع إلا عند الحاجة.
احذف بيانات المواقع عندما يكون ذلك مناسبًا، وافهم أن حذف الكوكيز يعالج نوعًا من التتبع وليس كل أنواعه.
وتجنب تثبيت إضافات مجهولة أو منحها صلاحيات واسعة؛ فالإضافة نفسها قد تصبح مصدرًا لمشكلة خصوصية.
الخلاصة
عندما تحذف ملفات تعريف الارتباط، تكون قد أزلت إحدى الطرق التي يمكن استخدامها لتذكر متصفحك، لكنك لم تغير بالضرورة كل الخصائص التي تجعل جهازك مختلفًا عن غيره.
وهنا تظهر قوة Browser Fingerprinting.
لا يحتاج النظام دائمًا إلى بطاقة هوية مخزنة داخل المتصفح؛ فقد يحاول بناء واحدة من مجموعة تفاصيل صغيرة تبدو غير مهمة منفردة.
ولهذا أصبح مفهوم الخصوصية على الإنترنت أكثر تعقيدًا من مجرد الضغط على زر:
«حذف الكوكيز».
ففي عصر البيانات، قد لا يكون السؤال فقط ما الذي خزنه الموقع على جهازي؟
بل أيضًا:
ما الذي يستطيع استنتاجه عن جهازي دون أن يخزن شيئًا عليه أصلًا؟
0 تعليقات